أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

199

شرح مقامات الحريري

[ عبد الحميد الكاتب ] وأما عبد الحميد ، فهو ابن يحيى بن سعيد ، كاتب مروان بن محمد ، آخر ملوك في أمية ، وكتب أيضا للمنصور . وقيل إنه قتل مع مروان . وكان رأسا في الكتابة ، ومقدما في الفصاحة والخطابة ، بليغا مرسلا ، وقال فيه ابن عبد ربه : كتب عبد الحميد بن يحيى لعبد الملك بن مروان ، وكتب لسليمان بن عبد الملك ، وليزيد بن عبد الملك ، ثم لم يزل كاتبا لخلفاء بني أمية ؛ حتى انقضت دولتهم . وعبد الحميد أوّل من فتق أكمام البلاغة ، وسهّل طرقها ، وفكّ رقاب الشعر . وقال له مروان حين أيقن بزوال ملكه : قد احتجت أن تصير مع عدوّي ، وتظهر الغدر بي ؛ فإنّ إعجابهم بآدابك يدعوهم إلى حسن الظنّ بك ، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي ، وإلّا لم تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي . فقال له عبد الحميد : إنّ الذي أشرت به عليّ أنفع الأمرين لك ، وأقبحهما لي ، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح اللّه لي ولك ، أو أقتل معك . ثم قال : [ الطويل ] أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة * فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره وعبد الحميد هو صاحب الرسائل والبلاغات ، وهو أوّل من أطال الرسائل ، واستعمل التحميدات في فصول الكتب ، واستعملت بعده ، وهو القائل : البلاغة تقرير المعنى في الأفهام ، من أقرب وجوه الكلام . ولم يزل الشّعراء ومهرة الكتبة يضربون ببلاغته وكتابته الأمثال في كتبهم وأشعارهم في القديم والحديث ، كفضل الصاحب وقرنائه ، مع طبع سمح ولفظ عذب ، وصلة نثر ينظم ، فإن شاء قال : أنا الوليد ، وإن شاء قال : أنا عبيد ، وإن شاء قال : أنا عبد الحميد ، وإن شاء قال : أنا سعيد . وقيل : بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد . * * * [ أبو عمرو بن العلاء ] وأما أبو عمرو فهو ابن العلاء بن عمار بن عبد اللّه بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعيّ بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم : واسمه وكنيته واحد في الأشهر . الفنجديهيّ : اختلف في اسمه على تسعة عشرة قولا ، فقيل : اسمه محمد أو حميد أو حمّاد أو عثمان أو سفيان أو غير ذلك ، وأصحّها زبّان . واختلف في مولده . فقيل : ولد سنة خمس وستين بمكة في أيام عبد الملك بن مروان : وقيل : سنة سبعين .